مايكل يونغ
{
"authors": [
"مايكل يونغ"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"الشرق الأوسط",
"المشرق العربي",
"الخليج",
"إيران",
"إسرائيل",
"الولايات المتحدة",
"لبنان"
]
}المصدر: Getty
محور مقاومة أم انتحار؟
فيما تخوض إيران الحرب دفاعًا عن مصالحها الإقٍليمية وبقاء نظامها، قد تجرّ حزب الله إلى الهاوية.
أسفر قرار الولايات المتحدة وإسرائيل شنّ هجومٍ عسكري على إيران في 28 شباط/فبراير عن انزلاق الشرق الأوسط إلى صراعٍٍ بلغ ذروة التصعيد، ولا تزال نتائجه مجهولة إلى حدٍّ بعيد. ومنذ دخول هذه الحرب الجديدة المفتوحة على جميع الاحتمالات يومَها الثالث، بات واضحًا أن طهران تعتبر ما تواجهه تهديدًا وجوديًا، وهذه النظرة شكّلت طبيعة ردّها وكذلك ردّ بعض أقرب حلفائها.
من منظور إيراني، يبدو أن العمليات الأميركية والإسرائيلية تسير في اتجاهَين. يتمثّل الأول في إرساء وضعٍ تُرغَم فيه طهران على القبول بالتخلّي عن برنامجها النووي، وتقليص ترسانتها من الصواريخ البالستية بصورةٍ جذرية، وإنهاء شبكتها الإقليمية المؤلّفة في الغالب من قوى غير حكومية - أي بعبارة أخرى، وضع شروط تَفرض عمليًا الاستسلام غير المشروط على إيران. أما الهدف الثاني، الذي يسير بالتوازي مع الأول، فهو تقويض أُسس النظام الإيراني، والذي صُمِّم اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي لتسريعه، على أمل أن يشجّع ذلك الإيرانيين أنفسهم على الإطاحة بقادتهم.
ويبدو أن حملة القصف المُمنهجة التي تنفّذها طهران على الدول العربية (والتي يصفها مسؤولوها بأنها استهدافٌ للقواعد العسكرية الأميركية في تلك الدول)، إضافةً إلى إغلاقها مضيق هرمز ووقف الصادرات النفطية من منطقة الخليج، هي محاولاتٍ لإفشال الهدف الأول. فمن خلال إظهار أن طهران قادرة على استهداف مواقع في دولٍ عربية مجاورة متى شاءت، وتهديد الاقتصاد العالمي، يَعمَد الإيرانيون إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وتقوية أوراقهم قبل الدخول في مفاوضاتٍ ستبدأ عاجلًا أم آجلًا. ربما يعتقدون أن هذه الخطوات ستدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى خفض سقف مطالبهما، ما يتيح للنظام الإيراني إعادة تعزيز موقعه في أعقاب الصراع.
إن فكرة الدفع على تغيير النظام هدفٌ أكثر تعقيدًا. فثمة شكوكٌ حقيقية في كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل حيال إمكانية تحقيق ذلك في الوقت الراهن، وقد يجادل المرء بأن اغتيال خامنئي ربما عزّز استمرارية النظام الإيراني. لماذا؟ لأن أيّ عملية انتقالٍ للسلطة في حال وفاة خامنئي لأسبابٍ طبيعية كانت ستكون معقّدة في ظلّ نظامٍ فَقَد قدرًا كبيرًا من الشرعية في أوساط شعبه، ما كان ليُثير انقسامًا داخليًا حادًّا. أما اليوم، في خضمّ حربٍ مفتوحة يعجز الشعب خلالها عن حشد صفوفه والاحتجاج على أي قرارات تُتَّخذ، فقد تكون عملية الخلافة أسهل، مُفسِحةً المجال أمام الجهاز الأمني الإيراني الواسع لتثبيت الوضع الجديد لاحقًا.
ماذا تعني هذه الحسابات لشبكة حلفاء إيران الإقليميين؟ من الصعب أن يتمكّن هؤلاء من إحداث تحوّل استراتيجي في مسار الصراع. فحركة حماس أنهكتها الحرب في غزة على مدى عامَين، والميليشيات الموالية لإيران في العراق لا يمكنها، في أفضل الأحوال، أن تحقّق سوى تأثير محدودٍ للغاية ضدّ القواعد العسكرية الأميركية، وحركة أنصار الله في اليمن بعيدةٌ جدًّا عن ساحة المعركة بحيث يقتصر دورها على زيادة الضغط الذي تمارسه طهران، في حين أن حزب الله يبقى في وضعٍ ضبابي. من نواحٍ عدّة، ساق الإيرانيون حلفاءهم نحو الهلاك في العام 2023، حين ابتكروا استراتيجيتهم المتغطرسة "وحدة الساحات"، التي تقضي بالتدخّل العسكري لجميع القوى الحليفة غير الحكومية معًا ضدّ إسرائيل في حال هاجمت هذه الأخيرة أيًّا منها. ويبدو أن قائد حماس في غزة، يحيى السنوار، نفّذ الهجوم ضدّ إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 على هذا الأساس، مُراهنًا على انتصار ما يسمّى بمحور المقاومة في نهاية المطاف، إلّا أن حزب الله تعرّض لهزيمة ساحقة لم يتعافَ منها بعد.
لهذا السبب، كان مفاجئًا إطلاق الحزب رشقةً صاروخية باتجاه شمال إسرائيل في الساعات الأولى من 2 آذار/مارس. وأتى الردّ الإسرائيلي سريعًا عبر غاراتٍ جوية استهدفت ضاحية بيروت الجنوبية، وقرى وبلدات في الجنوب والبقاع. كذلك، أصدر الإسرائيليون منذ اليوم الأول إنذارًا بإخلاء 53 بلدة في هذه المناطق، ما تسبّب بأزمة إنسانية جديدة يتعيّن على حزب الله معالجتها، بينما بدأ الناس بمغادرة الضاحية الجنوبية. وبلغت الحصيلة الأولية لضحايا هذه الغارات صباح ذلك اليوم 31 قتيلًا و149 جريحًا، وفقًا لما أعلنته وزارة الصحة اللبنانية، في ظلّ صدور تقارير غير مؤكّدة في صحيفة جيروزاليم بوست أفادت بمقتل رئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد.
بتعبيرٍ آخر، تعرّض مئات الآلاف من الشيعة للتهجير مجدّدًا بسبب قرار حزب الله الدخول على خط القتال عبر تنفيذ هجومٍ ضئيلٍ على إسرائيل. من الصعب رؤية أي فائدة تُجنى من هذه الخطوة، ما فتح الباب أمام تكهّناتٍ عن وجود انقساماتٍ في صفوف الحزب، وعن تفرّد بعض عناصر جناحه العسكري بالقرار من دون علم قيادته السياسية. لكن لا يبدو هذا الاحتمال مرجّحًا جدًّا. في المقابل، يثير ذلك تساؤلات حول ترسانة الحزب من الصواريخ الموجّهة بدقة، التي لطالما تفاخر بها. فخلال جولة الحرب الماضية في 2023–2024، لم يُطلق الحزب أيًّا من هذه الصواريخ، ربما لأن إيران أرادت إبقاءها لحماية برنامجها النووي ونظامها. لكن اليوم، لا بدّ من الافتراض بأنّ الإيرانيين رفعوا كل القيود المفروضة على استخدامها، فلماذا الانخراط في الأعمال القتالية عبر إطلاق صواريخ قصيرة المدى لا تسبّب ضررًا يُذكر؟ هل ما زالت صواريخ الحزب الموجّهة بدقّة موجودة؟
يمكن القول إن ما يهمّ الإيرانيين في المقام الأول هو تعزيز موقفهم التفاوضي، وبالتالي إن مصلحة حزب الله تأتي في المرتبة الثانية. لكن حتى إن صحّ هذا الأمر، فثمّة أبعادٌ مهمّةٌ يتجاهلها المسؤولون في طهران. أولها هو أن مصداقية الحكومة اللبنانية مرتبطةٌ بشكل وثيق بنزع سلاح الحزب إلى حدٍّ لا يمكن فيه السماح باستمرار الوضع الغامض السائد اليوم. ففي 2 آذار/مارس، قرّرت الحكومة اللبنانية حظر أنشطة حزب الله العسكرية، في تصعيدٍ لافتٍ ضدّ الحزب، ويُقال إن هذا القرار حظيَ بتأييد رئيس مجلس النواب الشيعي نبيه بري، الذي استاء من تطمينات الحزب له بأنه لن يدخل الحرب.
والبُعد الثاني يتمثّل في السياسات الطائفية اللبنانية. فالطائفة الشيعية باتت اليوم معزولةً بالكامل في النظام اللبناني متعدّد الطوائف، إذ تواجه معارضةً من غالبية القوى الحكومية، ومن رئيس الجمهورية، وربما حتى من بري، الذي يدرك حجم المخاطر التي تَتهدّد طائفته في حال مُنيَت بهزيمة عسكرية جديدة. وفيما يُحاط الشيعة بطائفتَين غير متعاطفتَين معهم، بما في ذلك طائفةٌ سنّيةٌ استعادت زخمها من جديد وتحظى بدعم نظامٍ سوري يكنّ عداءً شديدًا لحزب الله، إن أيّ انتكاسةٍ إضافية يتعرّض لها الشيعة قد تؤدّي إلى إضعافهم سياسيًا لسنواتٍ كثيرة مقبلة.
ومع أن الطائفة بقيت موحّدة، لذعت تصرّفات حزب الله في الآونة الأخيرة بري. فالخداع الذي تعرّض له من الحزب جاء بعد فترةٍ وجيزةٍ على كونه من بين الشخصيات التي وجّه إليها حزب الله كتابًا مفتوحًا في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وأعاد فيه التأكيد على معارضته نزع السلاح و"التفاوض السياسي" مع إسرائيل. وقد أُفيد بأن تلك الرسالة أغضبت بري، فنشأت توتراتٌ على الأرض بين أنصاره وأنصار حزب الله، كان آخرها في كانون الثاني/يناير، ما عكَس اختلافًا في الأولويات. يُقال إن رئيس مجلس النواب يودّ التركيز على إعادة إعمار الجنوب، وهو مسارٌ يتطلّب نزع سلاح حزب الله، بينما يرفض هذا الأخير التخلّي عن احتكار السلاح لصالح الدولة اللبنانية.
إلى أين قد يقودنا هذا كلّه؟ إن حزب الله عالقٌ تحديدًا حيث يريده الإسرائيليون. وحتى إن افترضنا أنّ الإيرانيين سيخرجون من الصراع الإقليمي وهم أشدّ قوة، لا شيء يمكنه الآن منع إسرائيل من توجيه ضربة قاسية إلى حزب الله وبيئته، استكمالًا لما بدأته في العام 2024. ونظرًا إلى العزلة الجغرافية التي يعانيها الحزب نتيجة سقوط نظام بشار الأسد في سورية، ناهيك عن عزلته السياسية في الداخل، باتت قدرته على خوض مواجهة جدّية محدودة. لكن ما يثير القلق أكثر هو أن هزيمة حزب الله ستسهّل على إسرائيل أكثر فرض اتفاق وقف إطلاق نارٍ يرسي ظروفًا لتسوية سلامٍ تُدخِل لبنان في نهاية المطاف ضمن دائرة النفوذ الإسرائيلي. وبالنظر إلى التنافسات الإقليمية، ووجود دول رئيسة في الشرق الأوسط ستسعى إلى منع لبنان من السير في هذا الاتجاه، ستزداد مخاطر الانقسام الداخلي اللبناني.
إن المتغيّر الرئيس الذي ينبغي مراقبته في الأسابيع المقبلة هو قدرة إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، على مواصلة القتال في ظلّ استنزاف الذخائر والقدرات. فقد أُفيد بأن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، حذّر الرئيس دونالد ترامب من هذا الأمر، وأن البنتاغون طلب من الكونغرس 30 مليار دولار لإعادة بناء مخزون الصواريخ وأنظمة الاعتراض. ووفقًا لصحيفة واشنطن بوست، لم "يُلَبَّ الطلب إلا جزئيًا في ميزانية البنتاغون التي أُقِرَّت الشهر الماضي...". وإيران بدورها قد تواجه مشاكل، إذ أعلن الإسرائيليون يوم الأحد أنهم دمّروا نحو نصف منصّات إطلاق الصواريخ الإيرانية. إذًا، ما من مخارج واضحة في هذا العراك المتواصل، لكن السؤال الحقيقي هو أيٌّ من الطرفَين سيصطدم أولًا بالواقع.
عن المؤلف
محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
مايكل يونغ محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.
- إيران والمنعطف الجيوسياسي الجديدتعليق
- آليةٌ للإكراهتعليق
مايكل يونغ
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- الطموحات الأميركية في إيران تتعدّى الملف النوويتعليق
وبناءً على ذلك، فإن تكاليف الهجوم المُحتمل ومخاطره تستوجب تدقيقًا عامًا أوسع بكثير ممّا يجري حاليًا.
نيكول غرايفسكي
- الجماعة الإسلامية عند مفترق طرقتعليق
ترزح هذه المنظمة تحت وطأة العقوبات الأميركية، وتتأرجح بين ضرورة التغيير والإحجام عنه.
محمد فواز
- نحو عقد اجتماعي عربي جديدتعليق
لمواجهة المشروع الإسرائيلي، يجب تبنّي سياسات تكاملية تشمل الاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والحَوْكمة التشاركية.
مروان المعشّر
- إيران والمنعطف الجيوسياسي الجديدتعليق
يسعى تحالفٌ من الدول إلى تفادي سيناريو الهجوم الأميركي، فيما إسرائيل حاضرة بقوة في حساباتهم.
مايكل يونغ
- النزعة القومية الكردية تطلّ برأسها في سوريةتعليق
ساد شعورٌ بالخيانة لدى الأكراد بعد الهجوم الذي نفّذته دمشق مؤخرًا وتخلّي الحلفاء العرب عنهم.
فلاديمير فان ويلغنبرغ